ودبشير ارض الشمال
مرحبا بالزاير الكريم انت لم تسجل بعد سارع
بالتسجيل
او الدخول
‏ ‏ نرجو ان تجدوا ما يسركم و نتعاون معا ليرتقي الي ما نصبو اليه

والله ولي التوفيق
ودبشير ارض الشمال

اسلاامي / اجتماعي / ثقافي / رياضي/ برامج والعاب / اكواد دعم منتديات
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  المنشوراتالمنشورات  التسجيلالتسجيل  دخول  صفحتنا على الفيس بكصفحتنا على الفيس بك  

شاطر | 
 

 موسم الهجرة الي الشمال 5

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 795
تاريخ التسجيل : 30/03/2012
العمر : 62
الموقع : wadbashir.2morpg.Com

مُساهمةموضوع: موسم الهجرة الي الشمال 5   الأحد نوفمبر 01, 2015 9:28 pm

الذي حدث بعد ذلك ليس واضحاً تماماً في ذهني . ولكنني

أذكر .. يدي مطبقتين على حلق محجوب ، وأذكر جحوظ

عينيه وأذكر ضربة قوية في بطني ، وأذكر محجوباً

جاثماً على صدري . وأذكر محجوباً ملقى على الأرض وأنا

أركله بقدمي . وأذكر صوته يصرخ : ( مجنون . مجنون )

. وأذكر لغطاً وصياحاً وأنا أضغط على حلق محجوب ،

وأسمع قرقرة ، ويداً قوية تجذبني من رقبتي ، ثم وقعت

عصاً ثقيلة على رأسي .
العالم فجأة انقلب رأساً على عقب . الحب ؟ الحب لا

يفعل هذا . إنه الحقد . أنا حاقد وطالب ثأر وغريمي

في الداخل ولا بد من مواجهته . ومع ذلك ما تزال في

عقلي بقية تدرك سخرية الموقف . إنني أبتدئ من حيث

انتهى مصطفى سعيد ، إلا أنه على الأقل قد اختار وأنا

لم أختر شيئاً . قرص الشمس ظل ساكناً فوق الأفق الغربي

زمناً ثم اختفى على عجل . وجيوش الظلام المعسكرة أبداً

غير بعيد وثبت في لحظة واحتلت الدنيا . لو أنني قلت

لها الحقيقة لعلها لم تكن تفعل ما فعلت . خسرت

الحرب لأنني لم أعلم ولم أختر . ووقفت زمناً طويلاً

أمام باب الحديد . أنا الآن وحدي ، لا مهرب لا ملاذ ، لا

ضمان . عالمي كان عريضاً في الخارج ، الآن قد تقلص

وارتد على أعقابه حتى صرت العالم أنا ولا عالم غيري

. أي إذن الجذور الضاربة في القدم ؟ أين ذكريات

الموت والحياة ؟ ماذا حدث للقافلة والقبيلة ؟ أي

راحت زغاريد عشرات الأعراس وفيضانات النيل وهبوب

الريح صيفاً وشتاء ..
من الشمال والجنوب ؟ الحب ؟ الحب لا يفعل هذا . إنه

الحقد . ها أنذا أقف الآن في دار مصطفى سعيد أمام (

باب الحديد ) باب الغرفة المستطيلة المثلثة السقف

الخضراء النوافذ . المفتاح في جيبي وغريمي في

الداخل على وجهه سعادة شيطانية لا شك ؟ أنا الوصي

والعاشق والغريم .
أدرت المفتاح في الباب فانفتح دون مشقة . استقبلتني

رطوبة من الداخل ورائحة مثل ذكرى قديمة . إنني أعرف

هذه الرائحة . رائحة الصندل والند . وتحسست الطريق

بأطراف أصابعي على الحيطان . اصطدمت بزجاج نافذة .

فتحت مصاريع الزجاج وفتحت مصاريع الخشب . فتحت

نافذة أخرى وأخرى وثالثة . ولكن من يدخل من الخارج

سوى مزيد من الظلام . أوقدت ثقاباً . وقع الضوء على

عيني كوقع الانفجار . وخرج من الظلام وجه عابس زاماً

شفتيه أعرفه ولكنني لم أعد أذكره . وخطوت نحوه في

حقد . إنه غريمي ، مصطفى سعيد . صار للوجه رقبة

وللرقبة كتفان وصدر ثم قامة وساقان . ووجدتني أقف

أمام نفسي وجهاً لوجه . هذه ليس مصطفى سعيد . إنها

صورتي تعبس في وجهي من مرآة . اختفت الصورة فجأة

وجلست في الظلام زمناً لا أدري حسابه أرهف السمع ولا

أسمع شيئاً . أشعلت ثقاباً آخر فابتسمت امرأة ابتسامة

مريرة . وجلست في واحة الضوء ونظرت حولي فإذا مصباح

قديم على المنضدة ..
أكاد ألمسه بيدي . هززته فإذا فيه زيت . يا للعجب .

أوقدت المصباح فتباعدت الظلال وتباعدت الحيطان

وارتفع السقف . أوقدت والمصباح وأغلقت النوافذ .

يجب أن تظل الرائحة حبيسة هنا . رائحة الطوب والخشب

والند الحريق والصندل .. والكتب . يا إلهي .

الحيطان الأربعة من الأرض حتى السقف . رفوف ، رفوف ،

كتب كتب كتب . أشعلت سيجارة وملأت رئتي بالرائحة

الغريبة . يا له من مغفل . هل هذا فعل إنسان أراد

أن يبدأ صفحة جديدة ؟ سأفوضها على رأسه . سأحرقها .

وأشعلت النار في البساط الناعم تحت قدمي ولبثت

أراقبها وهي تلتهم ملكاً فارسياً على جواد يسدد رمحه

نحو غزال يعدو مبتعداً . ورفعت المصباح فإذا أرضية

الغرفة كلها مغطاة بأبسطة فارسية . ورأيت أن الحائط

المقابل للباب ينتهي بفراغ . ذهبت إليه والمصباح في

يدي فإذا هو .. يا للحماقة ، مدفأة . تصوروا ،

مدفأة إنكليزية بكامل هيئتها وعدتها ، فوقها مظلة

من النحاس وأمام مربع مبلط بالرخام الأخضر ورف

المدفأة من رخام أزرق وعلى جانبي المدفأة كرسيان

فكتوريان مكسوان بقماش من الحرير المشجر بينهما

منضدة مستديرة عليها كتب ودفاتر . ورأيت وجه المرأة

التي ابتسمت لي قبل لحظات . لوحة زيتية كبيرة في

إطار مذهب على رف المدفأة والتوقيع في الركن الأيمن

(م.سعيد) . وانتهيت إلى النار في وسط الحجرة تكاد

تكون حريقاً . خطوت نحوها ثماني عشرة خطوة عددتها .
وأنا أخطو ودستها بحذائي حتى انطفأت . أنا طالب ثأر

ولكنني لا أستطيع أن أقاوم حب الاستطلاع ، سأرى أولاً

وأسمع ثم أحرقها فأكنها لم تكن . والكتب .. على ضوء

المصباح أراها مصنفة مرتبة . كتب الاقتصاد والتاريخ

والأدب علم الحيوان . جيولوجيا . رياضيات . فلك .

دائرة المعارف البريطانية ، غبون . ماكولي . طويني

. أعمال برناردشو كلها . كينز . توني . سميث .

روبنسن ، اقتصاد المنافسة الغير كاملة . هبسن ،

الامبريالية . روبنسن ، مقالة .. عن الاقتصاد

الماركسي . علم الاجتماع . علم الأجناس . علم النفس

طوماس هاردي . طوماس مان . أي جي مور ، طوماس مور ،

فرجينيا وولف . وتغنشتاين . أينشتاين . برايرلي .

ناميير . كتب سمعت بها وكتب لم أسمع بها . دواوين

لشعراء لا أعلم بوجودهم . يوميات غردون ، رحلات غلفر

كلينغ . هوسمان . تاريخ الثورة الفرنسية ، طوماسي

كارلايل . محاضرات عن الثورة الفرنسية ، لورد أكتن .

كتب مجلدة بالجلد . كتب في أغلفة من الورق . كتب

قديمة مهلهلة . كتب كأنها خرجت من المطبعة لتوها .

مجلدات ضخمة في حجم شواهد القبور . كتب صغيرة مذهبة

الحوافي في حجم ورقة الكتشينة . توقيعات . إهداءات

. كتب في صناديق كتب على الكراسي . كتب على الأرض .

أية دعابة هذه ؟ ماذا يقصد ؟ أوون . فورد . ستيفان

زفايغ . أي جي براون لاسكي . هازلت . أليس في أرض

العجائب . رتشاردز . القرآن بالإنكليزية . الإنجيل

بالإنكليزية ، غلبرت مري . افلاطون . اقتصاد ..
الاستعمار ، مصطفى سعيد .. الاستعمار والاحتكار ،

مصطفى سعيد . الصليب والبارود ، مصطفى سعيد .

اغتصاب أفريقيا مصطفى سعيد . بروسبرو وكالبان .

الطوطم والتابو . داوتي لا يوجد كتاب عربي واحد .

مقبرة . ضريح . فكرة مجنونة . سجن . نكتة كبيرة .

كنز . أفتح يا سمسم ودعنا نفرق الجواهر على الناس .

السقف من خشب البلوط وفي الوسط قوس يفصل الحجرة

نصفين ، يسنده عمودان رخاميان لونهما أصفر ضارب إلى

الحمرة . والقوس عليه قشرة من القيشاني مزركش

الحواف . وأنا أتصدر مائدة مستديرة لا أدري من أي

خشب هي ولكن سطحها داكن يلمع . وعلى كل من الجانبين

خمس كراسي مبطنة بالجلد . وإلى اليمين كنبة ذات

مسند واحد ، مكسوة بمخمل أزرق ، وسائد من .. لمستها

بيدي ، نعم من ريش النعام . ورأيت على يمين المدفأة

وعلى يسارها أشياء لم ألاحظها من قبل . على اليمين

منضدة طويلة عليها شمعدان من الفضة فيه عشر شموع لم

تسمها النار قبلاً ، وكذلك على اليسار . أوقدتها شمعة

شمعة ، فأضاءت أول ما أضاءت اللوحة الزيتية على رف

المدفأة . وجه مستطيل لامرأة واسعة العينين حاجباها

ينعقدان فوقهما . الأنف أكبر قليلاً مما يجب والفم

يميل إلى الإتساع . وأدركت أن رفوف الكتب الزجاجية

في الحائط المقابل للباب لا تصل إلى الأرض ولكنها

تنتهي على جانبي المدفأة بدواليب مدهونة بطلاء أبيض

بارزة عن رفوف الكتب مقدار قدمين أو ثلاثة .
وكذلك على امتداد الضلع الآخر إلى اليسار . وذهبت

إلى الصور المصفوفة على الرف . مصطفى سعيد يضحك ،

مصطفى سعيد يكتب ، مصطفى سعيد يسبح ، مصطفى سعيد في

مكان ما في الريف ، مصطفى سعيد في الزي الجامعي ،

مصطفى سعيد يجذف في السيربنتاين ، مصطفى سعيد في

تمثيلية الميلاد ، على رأسه تاج ، أحد الملوك الثلاثة

الذين جلبوا العطور والمر للمسيح ، مصطفى سعيد

يتوسط رجلاً وامرأة ، مصطفى سعيد لم يترك لحظة تمر إلا

وسجلها للذكرى والتاريخ . وأمسكت صورة امرأة وتمعنت

فيها ، وقرأت الإهداء بخط منمق : ( من شيلا مع كل حبي

) . شيلا غرينود بلا شك . قروية من ضواحي هل ، أغراها

بالهدايا والكلام المعسول والنظرة التي ترى الشيء فلا

تخطئه . دوختها رائحة الصندل المحروق والند . حلوة

الوجه فعلاً ، تبتسم في الصورة وفي جيدها عقد ، من

العاج بلا شك . ذراعاها مكشوفتان وصدرها بارز . كانت

تعمل خادمة في مطعم بالنهار وبالليل تواصل الدراسة

في البولينكسيك . كانت ذكية تؤمن بأن المستقبل

للطبقة العاملة ، وأنه سيجيء يوم تنعدم فيه الفروق

ويصير الناس كلهم أخوة . كانت تقول له : ( أمي ستجن

وأبي سيقتلني إذا علما أنني أحب رجلاً أسود ولكنني لا

أبالي ) . قال : ( كانت تغني لي أغاني ماري لويد

ونحن عراة . كنت أقضي معها أمسيات الخميس في غرفتها

في كامدن تاون وأحياناً تقضي الليل معي في شقتي .

كانت ..
كانت تلحس وجهي بلسانها وتقول لي : ( لسانك قرمزي

بلون الغروب في المناطق الأستوائية . كنت لا أشبع

منها ولا تشبع مني . تتأملني كل مرة كأنها تكتشف

شيئاً جديداً . تقول لي : ما أروع لونك الأسود ، لون

السحر والغموض والأعمال الفاضحة ) . لقد انتحرت .

لماذا انتحرت شيلا غرينود يا مستر مسصطفى سعيد ؟ أنا

أعلم أنك تختبئ في مكان ما من هذه المقبرة

الفرعونية التي سأحرقها على رأسك . لماذا قتلت حسنة

بنت محمود ود الريس الشيخ وقتلت نفسها في هذه

القرية التي لا يقتل أحد فيها أحداً ؟ .
والتقطت صورة أخرى وقرأت الإهداء بخط عريض يميل إلى

الأمام : ( لك حتى الممات إيزابيلا ) . مسكينة

إيزابيلا سيمور . إنني أحس بعطف خاص نحو إيزابيلا

سيمور . مستديرة الوجه ، تميل إلى البدانة ، تلبس

رداء قصيراً بمقاييس ذلك الوقت . ليست تماماً تمثالاً

من البرونز كما وصفها ولكن في الوجه طيبة واضحة

وتفاؤلاً بالحياة . تبتسم . هي أيضاً تبتسم . قال أنها

كانت زوجة لجراح ناجح ، أماً لبنتين وابن . قضت أحد

عشر عاماً في حياة زوجية سعيدة ، تذهب للكنيسة صباح

كل أحد بانتظام ، وتساهم في جمعيات البر . ثم

قابلته واكتشفت في أعماقها مناطق مظلمة كانت مغلقة

من قبل . وبالرغم من كل شيء تركت له رسالة تقول

فيها : ( إذا كان في السماء إله ، فأنا متأكدة أنه

سينظر بعين العطف إلى طيش امرأة مسكينة لم تستطع أن

تمنع السعادة من دخول قلبها ، ولو كان في ذلك إخلال

بالعرف وجرح لكبرياء زوج .
ليسامحني الله ويمنحك من السعادة مثل ما منحتني ) .

إنني أسمع صوته في تلك الليلة ، داكناً ، يعلو ويخفت

، ليس فيه حزن ولا ندم . إن كان في الصوت شيء فقد

كانت فيه رنة فرح . ( وسمعتها تقول لي بصوت متضرع

مستسلم : أحبك . فجاوب صوتها هتاف ضعيف في أعماق

وعيي يدعوني أن أقف . لكن القمة صارت على بعد خطوة

، وبعد ذلك ألتقط أنفاسي وأستجم . ونحن في قمة الألم

عبرت برأسي سحائب ذكريات بعيدة قديمة كبخار يصعد من

بحيرة مالحة وسط الصحراء . حين خطا زوجها إلى منصة

الشهادة في المحكمة ، تعلقت به الأبصار . كان رجلاً

نبيل الملامح والخطو ، رأسه الأشيب يكله الوقار ،

وتجلس على سمته مهابة لا مراء فيها . كان رجلاً لو

لوضعت معه على ميزان ، فإن كفته ترجح كفتي أضعاف

أضعاف . وكان شاهد دفاع لا اتهام . قال في الصمت

الذي خيم على المحكمة . الانصاف يحتم عليَّ أن أقول أن

إيزابيلا زوجتي كانت تعلم بأنها مريضة بالسرطان .

كانت في الآونة الأخيرة ، قبل موتها ، تعاني من حالات

انقباض حادة . قبل موتها بأيام اعترفت لي بعلاقتها

بالمتهم . قالت أنها أحبته وأنه لا حيلة لها . كانت

طول حياتها معي مثال الزوجة الوفية المخلصة . وأنا

بالرغم من كل شيء لا أحس بأي مرارة في نفسي ، لا

نحوها ولا نحو المتهم . إنني فقط أحس بحزن عميق

لفقدها ) .
لا يوجد عدل في الدنيا ولا اعتدال . وأنا أحس

بالمرارة والحقد ، فبعد هؤلاء الضحايا جميعاً ، توج

حياته بضحية ..
أخرى ، حسنة بنت محمود ، المرأة الوحيدة التي

أحببتها ، قتلت ود الريس المسكين وقتلت نفسها من

أجل مصطفى سعيد . وقطعت .. يا للبشاعة . والتقطت

صورة في إطار من الجلد . هذه آن همند بلا شك ،

بالرغم من أنها تلبس عباءة عربية وعقالاً ، والإهداء

أسفل الصورة بخط عربي مهتز : ( من جاريتك سوسن )

وجه حي يتفجر صحة لا تكاد الصورة تحتويه . في كل خدم

غمازتان ، والشفتان ممتلئتان منفرجتان ، والعينان

تتواقدان بحب الاستطلاع . واضح كل هذا في الصورة على

تقادم العهد بها . ( كانت عكسي تحن إلى مناخات

استوائية ، وشموس قاسية ، وآفاق أرجوانية . كنت في

عينيها رمزاً لكل هذا الحنين . وأنا جنوب يحن إلى

الشمال والصقيع . كانت تملك شقة في هامستد تطل على

هامستد حيث تجيئها من أكسفورد آخر الأسبوع . كنا

نقضي ليلة السبت عندي وليلة الأحد عندها . وأحياناً

تمكث الإثنين وأحياناً الأسبوع كله . ثم أخذت تتغيب عن

الجامعة شهراً وشهرين حتى فصلت . كانت تدفن وجهها

تحت إبطي وتستنشقني كأنها تستنشق دخاناً مخدراً .

وجهها يتقلص باللذة . تقول كأنها تردد طقوساً في

معبد : ( أحب عرقك . أريد رائحتك كاملة . رائحة

الأوراق المتعفنة في غابات أفريقيا . رائحة المنجة

والباباي والتوابل الإستوائية . رائحة الأمطار في

صحاري بلاد العرب ) . صيداً سهلاً . قابلتها اثر محاضرة

ألقيتها في ..
أكسفورد عن أبي نواس . قلت لهم أن عمر الخيام لا

يساوي شيئاً إلى جانب أبي نواس ، وقرأت لهم من شعر

أبي النواس ، وقرأت لهم من شعر أبي النواس في الخمر

بطريقة خطابية مضحكة ، زاعماً لهم أن تلك هي الطريقة

التي كان الشعر العربي يلقى بها في العصر العباسي .

وقلت في المحاضرة أن أبا نواس كان متصوفاً ، وإنه

جعل من الخمر رمزاً حمله جميع أشواقه الروحية ، وإن

توقه إلى الخمر في شعره كان في الواقع توقاً إلى

الغناء في ذات الله . . كلام ملفق لا أساس له من الصحة ،

لكنني كنت ملهماً في تلك الليلة ، أحس بالأكاذيب

تتدفق على لساني كأنها معان سامية . وكنت أحس

بالنشوة تسري مني إلى الجمهور ، فأمضي في الكذب .

وبعد المحاضرة التفوا حولي . موظفون عملوا في الشرق

، ونساء طاعنات في السن مات أزواجهن في مصر والعراق

والسودان ، ورجال حاربوا مع كتشنر واللنبي ،

ومستشرقون ، وموظفون في وزارة المستعمرات ، وموظفون

في قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية . وفجأة رأيت

فتاة في الثامنة أو التاسعة عشرة تثب نحوي وثباً

مخترقة الصفوف . وطوقتني بذراعيها وقبلتني وقالت

باللغة العربية : أنت جميل تجل عن الوصف . وأنا

أحبك حباً يجل عن الوصف . قلت لها بعاطفة أخافتني

حدتها : ( وأخيراً وجدتك يا سوسن . إنني أبحث عنك في

كل مكان ، وخفت ألا أجدك أبداً . هل تذكرين ؟ قالت

بعاطفة على تقل ..
عن عاطفتي حدة : كيف أنسى دارنا في الكرخ في بغداد

على ضفة دجلة أيام المأمون ؟ أنا أيضاً تقفيت أثرك

عبر القرون ولكنني كنت واثقة أننا سنلقتي .

وهائنتذا يا حبيبي مصطفى ، لم تتغير منذ افترقنا .

كأنني وهي على مسرح وحلولنا ممثلون يؤدون أداوراً

صغيرة . أنا بطل وهي بطلة . أطفئت الأنوار وساد

الظلام حولنا وبقينا أنا وهي وحدنا وسط المسرح ينصب

علينا ضوء وحيد . ورغم إدراكي أنني أكذب ، فقد كنت

أحس أنني بطريقة ما أعني ما أقول ، وأنها هي أيضاً

رغم كذبها فإن ما قالته هو الحقيقة . كانت تلك لحظة

من لحظات النشوة النادرة التي أبيع بها عمري كله .

لحظة تتحول فيها الأكاذيب أمام عينيك إلى حقائق ،

ويصير التاريخ قوادا ، ويتحول المهرج إلى سلطان .

وفي غمرة الحلم ذاك حملتني بسيارتها إلى لندن .

كانت تسوق بسرعة رهيبة ، وبين الحين والحين تترك

عجلة القيادة وتطوقني بذراعيها وتصرخ : ما أسعدني

إذ وجدتك أخيراً . إنني سعيدة سعادة لو مت في هذه

اللحظة فإنني لن أبالي . وكنا نقف على الحانات في

الطريق ، ونشرب خمر التفاح أحياناً والبيرة أحياناً ،

والنبيذ الأحمر والنبيذ الأبيض ، وأحياناً نشرب الوسكي

. ومع كل كأس أقرأ لها من شعر أبي نواس . قرأت لها

:
أما يسرك أن الأرض زهراء والخمر ممكنة شمطاء عذراء
ما في قعودك عذر عن معتقة كالليل والدها والأم خضراء
بادر فإن جناح الكرخ مونقة لم تلتقفها يد للحرب

عسراء
وقرأت لها :
وكأس كمصباح السماء شربتها على قبلة أو موعد للقاء
أتت دونها الأيام حتى كأنها تساقط نور من فتوق سماء
وقرأت لها :
إذا عبأ أبو الهيجاء للهيجاء فرسانا
وسارت راية الموت أمام الشيخ اعلانا
وشبت حربها واشتعلت تلهب نيرانا
جعلنا القوس أيدينا ونبل القوس سوسانا
فعادت حربنا أنساً وعدنا نحن خلانا
إذا ما ضربوا الطبل ضربنا نحن عيدانا
لفتيانٍ يرون القتل في اللذة قربانا
ومنشا حربنا ساق سبا خمراً فسقانا
يحس الكأس كي تلحق أخرانا بأولانا
ترى هناك مصروعاً وذا بنجر سكرانا
فهذي الحرب لا حرب تغم الناس عدوانا
بها نقتلهم ثم بها ننشر قتلانا
نحن هكذا وهي تطرب للشعر وتطرب للشراب ، تسقيني

لذاذات الأكاذيب العذبة وأنسج لها خيوطاً دقيقة مربعة

من الأوهام . تقول لي أنها ترى في عيني لمح السراب

في الصحاري الحارة . وتسمع في صوتي صرخات الوحوش

الكاسرة في الغابات ، وأقول لها إنني أرى في زرقة

عينيها بحور الشمال البعيدة التي ليس لها سواحل .

وفي لندن أدخلتها بيتي ، وكر الأكاذيب الفادحة ،

التي بنيتها عن عمد ، أكذوبة أكذوبة . الصندل والند

وريش النعام وتماثيل العاج والأبنوس والصور والرسوم

لغابات النخل على شطآن النيل ، وقوارب على صفحة

الماء أشرعتها كأجنحة الحمام ، وشموس تغرب على جبال

البحر الأحمر ، وقوافل من الجمال تخب السير على

كثبان الرمل على حدود اليمن ، أشجار التبلدي في

كردفان ، وفتيات عاريات من قبائل الزاندي والنوير

والشلك ، حقول الموز والبن في خط الإستواء ،

والمعابد القديمة في منطقة النوبة ، الكتب العربية

المزخرفة لأغلفة مكتوبة بالخط الكوفي المنمق

السجاجيد العجمية والستائر الوردية ، والمرايا

الكبيرة على الجدران ، والأضواء الملونة في الأركان .

ركعت وقبلت قدمي وقالت : أنت مصطفى مولاي وسيدي وأنا

سوسن جاريتك . هكذا كل واحد منا اختار دوره في صمت

، هي تثمل دور الجارية وأنا أمثل دور السيد . حضرت

الحمام ثم غسلتني بالماء الذي صبت فيه ماء الورد .

أوقدت عيدان ..
الند ، وأوقدت الصندل في مجمر النحاس المغربي

المعلق في المدخل . لبست عباءة وعقالاً وتمددت أنا

على السرير فجاءت ودلكت صدري وساقي ورقبتي وكتفي .

قلت لها بصوت آمر : تعالي ، فأجابتني بصوت خفيض :

سمعاً وطاعة يا مولاي . في غمرة الوهم والسكر والجنون

أخذتها فقبلت لأن الذي قد كان بيننا كان منذ ألف عام

. وجدوها في شقتها في هامستد ميتة إنتحاراً بالغاز

ورسالة تقول فيها : مستر سعيد لعنة الله عليك ) .
وضعت صورة آن همند في مكانها إلى يسار صورة مصطفى

سعيد وهو يقف بين مسز روبنسن وزوجها . الإهداء في

أسفل الصورة : ( إلى موزي العزيز القاهرة 17/4/1913

، يبدو أنها كانت تدلله بهذا الإسم ، فهي في رسالتها

أيضاً تشير إليه بإسم ( موزي ) . مصطفى سعيد يبدو

مجرد طفل ، ولكن وجهه عابس في الصورة . مسز روبنسن

تقف إلى يساره وتضع ذراعها حول كتفه وزوجها يطوقهما

الاثنين بذراعه وهو وزوجته يبتسمان ابتسامة طبيعية

سعيدة . وجهاهما وجها شابين لم يصلا الثلاثين . رغم

كل شيء فإن حب مسز روبنسن له لم يتزعزع . إنها حضرت

المحاكمة من أولها إلى آخرها ، وسمعت كل شيء ، ومع

ذلك فإنها تقول في رسالتها إليَّ : ( لا أستطيع أن

أعبر لك عن مدى إمتناني لأنك كتبت لي عن موزي العزيز

. لقد كان موزي أعز ..
شخص بالنسبة لي ولزوجي . مسكين موزي . إنه كان طفلاً

معذباً . ولكنه أدخل على قلبي وقلب زوجي سعادة لا حد

لها . بعد تلك المسألة المؤلمة وتركه لندن ، انقطعت

أخباره عني ، وقد حاولت جهدي أن أعيد الاتصال به

ولكنني لم أفلح . مسكين موزي ، ولكن ما يخفف عني

قليلاً ألم فقده أن أعلم أنه قضى السنوات الأخيرة من

حياته سعيداً بينك وأنه تزوج زوجة طيبة وأنجب ولدين

. بلغ حبي لمسز سعيد . إنها تستطيع أن تعتبرني أماً

. وإذا كان ثمة عمل استطيع أن أؤديه لها وللطفلين

العزيزين فقل لها . لا تتردد في الكتابة إلي . وكم

أكون سعيدة لو أنهم جميعاً جاءوا وقضوا معي عطلة

الصيف القادم . إنني أعيش هنا وحيدة في آي أف وايت

. وقد سافرت إلى القاهرة في يناير الماضي وزرت قبر

زوجي . كان ركي يحب القاهرة حباً عظيماً وقد شاء

القدر أن يدفن في المدينة التي أحبها أكثر من أي

مدينة أخرى في العالم .
( إنني أشغل نفسي بتأليف كتاب عن حياتنا ركي وموزي

وأنا كانا رجلين عظيمين ، كل بطريقته . كانت عظمة

ركي في قدرته على جلب السعادة للآخرين . كان سعيداً

بمعنى الكلمة ، تفيض السعادة منه إلى كل من يتصل به

. وكان لموزي عقل عبقري ، ولكنه كان متهوراً . كان

غير قادر على تقبل السعادة أو إعطائها ، إلا لمن

أحبهم ..
وأحبوه حباً جقيقياً مثلي ومثل ركي . وأنا أحس أن

الحب والواجب يحتم علي أن أعرف الناس بقصة هذين

الرجلين العظيمين سيكون الكتاب في الواقع عن ركي

وموزي ، فأنا لم أفعل شيئاً يستحق الذكر . سأكتب عن

الخدمات الجليلة التي أداها ركي للثقافة العربية ،

مثل اكتشافه لكثير من المخطوطات النادرة وشرحها

والإشراف على طبعها . وسأكتب عن الدور العظيم الذي

لعبه موزي في لفت الأنظار هنا إلى البؤس الذي يعيش

فيه أبناء قومه تحت وصايتنا كمستعمرين . وسأكتب

بالتفصيل عن المحاكمة وأزيل ما علق بإسمه من غبار .

إنني أكون شاكرة إذا أرسلت لي أي شيء خلفه موزي قد

يعينني على كتابة هذا الكتاب . ولعل موزي أخبرك أنه

جعلني وصية على شئونه في لندن . وقد تجمع شيء من

المال من حقوق الطبع لبعض كتبه وترجمة بعضها

سأحولها فوراً حين تخبرني بعنوان البنك الذي تريدني

أن أحولها له . وبهذه المناسبة أسمح لي أن أشكرك

شكراً عظيماً على الإشراف على عائلة موزي العزيز .

أرجو أن تراسلني بإنتظام وتكتب لي عن أخبارهم

بالتفصيل وأن ترسل لي صورهم في رسالتك القادمة .
( مخلصتك اليزابيث )
وضعت الرسالة في جيبي على الكرسي إلى يمين ..
المدفأة . وقع بصري على عدد من صحيفة ( التايمز )

بتاريخ الاثنين 26 9 1927 . المواليد ، الزيجات ،

الوفيات . وقع مراسيم الزواج القسيس سامسن ماجستير

في الآداب . تقام مراسيم الجنازة في كنيسة ستتني

الساعة الثانية بعد الظهر ، الأربعاء . الرسائل

الشخصية . أيتها المحبوبة دائماً ، إلى متى نظل

مفترقين ؟ القلب العزيز . مستعمرة كينيا مستر ..

مساح قانوني يعود إلى نيروبي في الخامس من أكتوبر ،

حتى ذلك التاريخ أية مراسلات تتعلق بتقارير عن

عقارات في المستعمرة ، يجب أن ترسل بواسطة ..

إعلانات عن دروس في ركوب الخيل . قطط سيامية زرقاء

للبيع . فتاة (17 سنة) مهذبة ، من عائلة محترمة ،

تبحث عن عمل . سيدة ورثت لقب ليدي (30 سنة ) ترغب

في وظيفة في الخارج . أخبار الرياضة . وست هل يهزم

بير هل . وست هام يفوز . جين تني يغلب جاك دمبسي .

رسالة من ظفر الله خان يفند فيها آراء سير شمانلا

ستالفاد بشأن النزاع بين المسلمين والهندوك في

البنجاب . رسالة تقول : ( الجاز موسيقى مرحة في

عالم مظلم ) . فيلان وصلا من رانغون أمس ، وسارات على

الاقدام من مرسي تلبري إلى حديقة الحيوان . مربي

أبقار هجم عليه ثور في مزرعته وبقر بطنه . رجل سرق

أربع موزات حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات . الأخبار

الامبراطورية والخارجية . عرض جديد من موسكو ..
لتسديد الدين الروسي لفرنسا . فيضانات سويسرا .

الدسكفري سفينة كابتن سكت عادت من البحار الجنوبية

. هر سترسمان ألقى خطاباً عن نزع السلاح في جنيف يوم

السبت . وأيضاً أدلى هر سترسمان بتصريح لصحيفة (

ماتان ) أيَّد فيه خطاب الرئيس فون هندنبرغ في تانبرج

الذي رفض فيه أن ألمانيا مسئولة عن نشوب الحرب .

المقالة الافتتاحية عن معاهدة جدة التي وقعها سير

غلبرت كليتن بالنياة عن بريطانيا العمظمى والأمير

فيصل عبدالعزيز آل سعود نيابة عن أبيه ملك الحجاز

ونجد ومحمياتها . الحالة الجوية في انكلترا وويلز ،

الرياح في الغالب بين الغربي والشمال الغربي ، قوية

أحياناً في الأماكن المكشوفة ، فترات طويلة من الهدوء

ولكن مع فترات من العواصف الممطرة وأحياناً أمطار

محلية .
إنها الصحيفة الوحيدة فيما يبدو . هل وجودها هنا له

أي مدلول ؟ أم أنها محض الصدفة ؟ وفتحت كراسة وقرأت

على الأولى : ( قصة حياتي بقلم مصطفى سعيد ) . وفي

التالية الإهداء : ( إلى الذين يرون بعين واحدة

ويتكلمون بلسان واحد ويرون الأشياء إما سوداء أو

بيضاء ، إما شرقية أو غربية ) . وقلبت بقية الصفحات

فلم أجد شيئاً ، ولا سطراً واحداً ولا كلمة واحدة . هل

هذا أيضاً له مدلول أم أنه صدفة محضة ؟ وفتحت ملفاً

فوجدت أوراقاً كثيرة وسكتشات ورسومات . كان إذن

يعالج الرسم ..
والكتابة ، الرسوم جيدة تنم عن موهبة . رسوم

بالألوان لمناظر في الريف الإنكليزي تتكرر فيها أشجار

البلوط والغدران والأوز . وسكتشات بالقلم الرصاص

لمناظر وأشخاص من قريتنا . بالرغم من كل شيء لا

يسعني إلا أن أعترف بمهارته الفائقة . بكري ومحجوب

وجدي وود الريس وحسنة وعمي عبدالكريم وغيرهم .

وجوههم تطالعني بتعبيرات عميقة طالما أحسستها

ولكنني لم أكن قادراً على تحديدها . وقد رسمهم مصطفى

سعيد بوضوح رؤية وبعطف يقرب من الحب . ووجه ود

الريس يتردد أكثر من الباقين . ثمانية رسوم لود

الريس في تعابير مختلفة . لماذا اهتم بود الريس كل

هذا الاهتمام ؟
ونظرت في قصاصات الورق وقرأت : ( نعلم الناس لنفتح

أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبوسة . ولكننا لا نستطيع

أن نتنبأ بالنتيجة الحرية . نحرر العقول من

الخرافات . نعطي الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه

كما يشاء ) . ( تركت لندن وقد بدأت أوروبا تحشد

جيوشها مرة أخرى لعنف أكثر ضراوة ) . ( لم تكن

كراهية . كان حباً عجز أن يعبر عن نفسه . أحببتها

بطريقة معوجة . وهي أيضاً ) . ( أسقف البيوت بللها

رذاذ المطر . البقر والضأن في الحقول وكأنها حصوات

بيضاء وسوداء . البلل الخفيف في شهر يونيو . اسمحي

لي يا سيدتي . هذه الرحلات بالقطار مملة . كيف ..
حالك ؟ من برمنغهام . إلى لندن . كيف تصف المناظر ؟

شجر وحشائش . أكوام القش اليابس وسط الحقول .

الأشجار والحشائش هي هي في كل مكان . كتاب لنغايو

مارش . ترددت . لم تقل لا أو نعم ) . هل كان يصف

حوادث حقيقية أم أنه كان يعالج قصة ؟ ( إنني يا

مولاي يجب أن أعترض على لجوء الاتهام إلى حيلة منطقية

مكشوفة . ذلك أنه يريد أن يؤكد مسئولية المتهم في

حوادث لم يكن مسئولاً عنها ، بناء على عمل حدث فعلاً ،

ثم يعود ويؤكد افتراضه فيما حدث فعلاً بناء على

الافتراضات السابقة . أن المتهم معترف بأنه قتل

زوجته ولكن هذا لا يجعله مسئولاً عن جميع حوادث انتحار

النساء اللاتي انتحرن في الجزر البريطانية في خلال

السنوات العشر الأخيرة ) . ( من ولد الخير ولد له

فراخاً تطير بالسرور . ومن ولد الشر أنبت له شجراً

أشواكه الحسرة وثمره الندم . فرحم الله امرئٍ أغضى عن

الأخطاء واستمتع بالظاهر ) .
ووجدت قصيدة بخط يده . إذن كان يعالج الشعر أيضاً ،

وواضح من كثرة من شطب فيها وبدل وغير في كلماتها

أنه هو الآخر كان يحس برهبة أمام الفن . ها هي ذي :
عربدت في الصدر آهات الحزين
ودموع القلب فاضت من تباريح السنين
ورياح عصفت بالحب والحقد الدفين
وبقايا صلوات ضمها الصمت العميق
هينمات ودعاء ونواح وزعيق
وغبار ودخان غم للساري الطريق
وجباه صاغرات وأخرى ..
ولا بد أن مصطفى سعيد قضى ساعات طويلة يبحث عن

الكلمة التي يستقيم بها الوزن . استهوتني المعضلة

ففكرت بضع دقائق . ولم يطل تفكيري . إنها قصيدة

ركيكة على أي حال قائمة على الطباق والمقارنات .

ليس فيها إحساس صادق ولا انفعال حقيقي . وهذا البيت

ليس أسوأ من بقية الأبيات . شطبت البيت الأخير وكتبت

محله :
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://wadbashir.2morpg.com
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 795
تاريخ التسجيل : 30/03/2012
العمر : 62
الموقع : wadbashir.2morpg.Com

مُساهمةموضوع: رد: موسم الهجرة الي الشمال 5   الإثنين نوفمبر 02, 2015 5:18 pm

.

( وخدود صاغرات وجباه خاشعة ) .
ومضيت في تقليب الأوراق فوجدت أرقاماً وقصاصات ورق

فيها عبارة مثل : ( ثلاثة براميل زيت ) ، ( تناقش

اللجنة موضوع تقوية قاعدة المكنة ) ، ( فائض الأسمنت

يمكن بيعه فوراً ) . ثم وجدت هذه الفقرة : ( وقد كان

حتماً أن يصطدم طالعي بطالعها وأن أقضي في السجن

أعواماً وأضرب في الأرض أعواماً ، أطارد خيالها

ويطاردني . وذلك هو الإحساس بأنني في لحظة خارج حدود

الزمن قد ضاجعت إلهة الموت وأطللت من كوة عينيها

على الجحيم . إنه شعور لا يمكن ..
لإنسان أن يتصوره . وقد ظل مذاق تلك الليلة في فمي

يمنعني
من أي مذاق سواء ) .
سئمت قراءة الأوراق . لا شك أن ثمة أوراقاً كثيرة أخرى

دفينة في هذه الغرفة ، كأجزاء في لغز حسابي ، يريد

مصطفى سعيد مني أن أكتشفها وأضعها جنباً إلى جنب ،

وأخرى منها صورة متكاملة تكون في صالحه . إنه يريد

أن يكتشف كأثر تاريخي له قيمته . لا شك في ذلك .

وأنا أعلم الآن أنه اختارني أنا لهذا الدور . لم تكن

صدفة أنه أثار حب الاستطلاع عندي ، ثم قص علي قصة

حياته غير كاملة لكي أكتشف أنا بقية القصة . لم تكن

صدفة أنه ترك لي رسالة مختومة بالشمع الأحمر ،

إمعاناً منه في شحذ خيالي ، وأنه جعلني وصياً على

ولديه ليلزمني إلزاماً لا فكاك منه ، وأنه ترك لي

مفتاح متحف الشمع هذا . لا حد لأنانيته وغروره ، فهو

رغم كل شيء يريد أن يخلده التاريخ . إنما أنا لا

أملك متسعاً من الوقت للمضي في هذه المهزلة . يجب أن

أنهي هذه المهزلة قبل طلوع الفجر ، والساعة الآن

جاوزت الثانية صباحاً عند طلوع الفجر ستأكل السنة

النار كل هذه الأكاذيب .
هببت واقفاً ، ورفعت ضوء الشموع على اللوحة الزيتية

على رف المدفأة . كل شيء في الغرفة منظم مرتب موضوع

في مكانه . إلا صورة جين مورس . كأنه لم يدر ماذا

يفعل بها . كل النساء الأخريات احتفظ بصورهن

الفوتوغرافية ، ولكن ..
جين مورس هذه كما رآها هو لا كما رأتها آلة التصوير

. نظرت إلى اللوحة بإعجاب . وجه مستطيل لامرأة واسعة

العينين حاجباها ينعقدان فوقهما . الأنف يميل إلى

الكبر والفم يميل إلى الاتساع والتعبير على الوجه

شيء يصعب وصفه في كلمات . تعبير رهيب ، محير .

الشفتان الرقيقتان مطبقتان كأنها تعض أسنانها والفك

مائل إلى الأمام بكبرياء . هل التعبير في العينين

غضب أم ابتسام ؟ وثمة شيء شهواني يرف على الوجه كله

. هذه إذن هي العنقاء التي افترست الغول ؟ كأن صوته

في تلك الليلة جريحاً حزيناً نادماً . ألانه فقدها ؟ أم

لأنها جرعته المهانات ؟ .
( كنت أجدها في كل حفل أذهب إليه . كأنها تتعمد أن

تكون حيث أكون لتهينني . أردت أن أراقصها فقال لي :

لا أرقص معك ولو كنت الرجل الوحيد في العالم .

صفعتها على خدها فركلتني بساقها وعضتني في ذراعي

بأسنان كأنها أسنان لبوة . لم تكن تعمل عملاً ولا أعلم

كيف كانت تعيش . أهلها من ليدز ، لم أقابلهم حتى

بعد زواجي بها . كان أبوها تاجراً لا أدري في أي

بضاعة ، وكان لها ، حسب قولها ، خمسة أخوة وكانت هي

البنت الوحيدة . كانت تكذب حتى في أبسط الأشياء .

تعود إلى البيت بقصص غريبة عن أشياء حدثت لها وأناس

قابلتهم لا يمكن أن يصدقها العقل . ولا أستبعد أنها

كانت عديمة الأهل ، كأنها شهرزاد مستولة ..
ولكنها كانت مفرطة في الذكاء ومفرطة في الظرف حين

تشاء ، يحيط بها حيث تكون لفيف من المعجبين يرفون

حولها كالذباب . وكنت أحس إحساساً داخلياً أنها رغم

تظاهرها بكراهيتي ، كانت مهتمة بأمري ، حين يجمعني

وإياها مجلس تراقبني بطرف عينها ، وتحصي جميع

حركاتي وسكناتي ، وإذا رأت مني اهتماماً بفتاة ما

سارعت إلى إساءتها والقسوة عليها كانت ماجنة بالقول

والفعل ، لا تتورع عن فعل أي شيء ، تسرق تكذب وتغش ،

ولكنني رغم إرادتي أحببتها ولم أعد أستطيع أن أسيطر

على مجرى الأحداث . كانت حين أتجنبها تغريني وحين

أطاردها تهرب مني . كبحت مرة جماح نفسي وتجنبتها

أسبوعين . أخذت أبتعد عن الأماكن التي ترتادها وإذا

دعيت إلى حفل أتأكد أنها لن تكون موجودة فيه .

ولكنها وجدت طريقها إلى بيتي فجاءتني آخر ليلة سبت

وآن همند معي . شتمت آن همند شتائم مقذعة فانتهرتها

وضربتها فلم ترتدع . خرجت آن همند باكية وظلت واقفة

أمامي كشيطان رجيم ، في عينيها تحد ونداء أثار

أشواقاً بعيدة في قلبي . لم أكلمها ولم تلكمني

ولكنها خلعت ثيابها ووقفت أمامي عارية . نيران

الجحيم كلها تأججت في صدري كان لا بد من إطفاء النار

في جبل الثلج المعرض طريقي . تقدمت نحوها مرتعش

الأوصال ، فأشارت إلى زهرية ثمينة من الموجودة على

الرف . قالت : تعطيني هذه وتأخذني . لو طلبت ..
مني حياتي في تلك اللحظة ثمناً لقايضتها أياها .

أشرت برأسي موافقاً . أخذت الزهرية وهشمتها على الأرض

وأخذت تدوس الشظايا بقديمها حتى حولتها إلى فتات .

أشارت إلى مخطوط عربي نادر على المنضدة . قالت

تعطيني هذا أيضاً . حلقي جاف . أنا ظمآن يكاد يقتلني

الظمأ . لا بد من جرعة ماء مثلجة . أشرت برأسي

موافقاً . أخذ المخطوط القديم النادر ومزقته وملأت

فمها بقطع الورق ومضغتها وبصقتها . كأنها مضغت كبدي

، ولكنني لا أبالي . أشارت إلى مصلاة من حرير أصفهان

أهدتني إياها مسز روبنسن عند رحيلي من القاهرة .

أثمن شيء عندي وأعز هدية على قلبي . قالت : تعطيني

هذه أيضاً ثم تأخذني . ترددت برهة ولكنني نظرت إليها

منتصبة متحفزة أمامي ، عيناها تلمعان ببريق الخطر

وشفتاها مثل فاكهة محرمة لا بد من أكلها . وهززت

رأسي موافقاً ، فأخذت المصلاة ورمتها في نار المدفأة

ووقفت تنظر متلذذة إلى النار تلتهمها فانعكست ألسنة

النار على وجهها . هذه المرأة هي طلبتني وسألاحقها

حتى الجحيم . مشيت إليها ووضعت ذراعي حول خضرها

وملت عليها لأقبلها . وفجأة أحسست بركلة عنيفة

بركبتها بين فخذي . ولما أفقت من غيبوبتي وجدتها قد

اختفت .
( لبثت أطاردها ثلاثة أعوام ، قوافلي ظمأى والسراب

يلمع أمامي في متاهة الشوق . وذات يوم قالت لي :

أنت ثور ..
متوحش لا يفتر من الطراد . إنني تعبت من مطاردتك لي

ومن جريي أمامك . تزوجني . تزوجتها في مكتب التسجيل

في فولام . لم يحضر العقد غير صديقة لها وصديق لي .

حين قالت أمام المسجل : أنا جين ونفرد مورس أقبل

هذا الرجل مصطفى سعيد عثمان زوجي الشرعي في سراء

والضراء في الفقر والغنى في الصحة والمرض فجأة

أجهشت بالبكاء وأخذت تبكي بحرقة . دهشت أنا لهذه

العاطفة منها وكف المسجل عن إجراء المراسيم وقال

لها بعطف : هوني عليك . أنا أقدر شعورك . ما هي إلا

لحظات وينتهي كل شيء . وظلت بعد ذلك تنهنه بالبكاء

، ولما انتهى العقد أجهشت بالبكاء مرة أخرى . وجاء

المسجل وربت على كتفها ثم صافحني قائلاً : زوجتك تبكي

من شدة السعادة . إنني رأيت نساء كثيرات يبكين في

زواجهن ولكنني لم أر بكاء بهذه الحرقة . يبدو أنها

تحبك حباً عظيماً . اعتن بها . أنا متأكد ستكونان

سعيدين . وظلت تبكي إلى أن خرجنا من مكتب التسجيل .

وفجأة انقلب بكاؤها إلى ضحك قالت وهي تقهقه بالضحك

يا لها من مهزلة .
(وقضينا بقية اليوم في سكر . لا حفل ولا مدعوين ، أنا

وهي والخمر . ولما ضمنا الفراش ليلاً أردتها فأدارت

لي ظهرها وقالت : ليس الآن . أنا متعبة . وظلت شهرين

لا تدعني أقربها ، كل ليلة تقول : أنا متعبة . أو

تقول أنا ..
مريضة . لم أعد أحتمل أكثر مما احتملت . وقفت فوقها

ذات ليلة والسكين في يدي . قلت لها : سأقتلك . نظرت

إلى السكين نظرة بدت لي كأن فيها لهفة ، وقالت : ها

هو صدري مكشوف أمامك اغرس السكين في صدري . نظرت

إلى جسمها العاري في متناول يدي ولا أناله . جلست

على حافة السرير ونكست رأسي بذلة . وضعت يدها على

خدي وقالت بلهجة لم تخل من رقة : أنت يا حلوي لست

من طينة الرجال الذين يقتلون . أحسست بالذلة

والوحدة والضياع . وفجأة تذكرت أمي . رأيت وجهها

واضحاً في مخيلتي وسمعتها تقول لي : إنها حياتك وأنت

حر فيها . وتذكرت نبأ وفاة أمي حين وصلني قبل تسعة

أشهر ، وجدوني سكران في أحضان امرأة . لا أذكر الآن

أية امرأة كانت . ولكنني تذكرت بوضوح أنني لم أشعر

بأي حزن ، كأن الأمر لا يعنيني في كثير ولا قليل .

تذكرت هذا وبكيت من أعماق قلبي . بكيت حتى ظننت

أنني لن أكف عن البكاء أبداً . وأحسست بجين تطوقني

بذراعيها وتقول كلاماً لم أميزه ولكن صوتها وقع على

أذني وقعاً منفراً اقشعر له بدني . دفعتها عني عنف

وصرخت فيها : أنا أكرهك . أقسم أنني سأقتلك يوماً ما

. وفي غمرة حزني لم يغب عني التعبير في عينيها .

تألقت عيناها ونظرت إلي نظرة غريبة . هل هي دهشة ؟

هل هي خوف ؟ ..
هل هي رغبة ؟ ثم قالت بصوت فيه مناغات مصطنعة : أنا

أيضاً أكرهك حتى الموت .
( ولكن لم تكن لي حيلة . كنت صياداً فأصبحت فريسة .

وكنت أتعذب وبطريقة لم أفهمها كنت أستعذب عذابي .

بعد ذلك الحادث بأحد عشر يوماً تماماً ، أذكرها لأنني

تجرعت غصصها كما يتجرع الصائم غصص شهر صوم قائظ ،

كنا في حديقة رتشمند قبيل الغروب . لم تكن الحديقة

خالية تماماً من الناس . كنا نسمع الأصوات ونرى

أشخاصاَ يتحركون في ضوء الشفق . لم نتحدث إلا قليلاً

ولم نتبادل عبارات حب ولا غزل . دون سبب وضعت

ذراعيها حول عنقي وقبلتني قبلة طويلة . أحسست

بصدرها يضغط على صدري . وضعت ذراعي حول خصرها

وجذبتها إلي فتأوهت آهات مزقت نياط قلبي وأنستني كل

شيء . لم أعد أذكر شيئاً . لم أعد أرى أو أعي إلى

هذه المصيبة الفادحة التي رماني بها القدر . هذه

المرأة هي قدري وفيها هلاكي ، ولكن الدنيا كلها لا

تساوي عندي حبة خردل في سبيلها . أنا الغازي الذي

جاء من الجنوب ، وهذا هو ميدان المعركة الجليدي

الذي لن أعود من ناجياً . أنا الملاح القرصان وجين

مورس هي ساحل الهلاك . ولكنني لا أبالي . أخذتها

هنالك في العراء ، لا يهمني إن كان ذلك على مرأى

ومسمع من الناس . هذه اللحظة من النشوة تساوي عند

العمر كله .
( وقد كانت لحظات النشوة نادرة بالفعل ، وبقية

الوقت نقضيه في حرب ضروس لا هوادة فيها ولا رحمة .

كانت الحرب تنتهي بهزيمتي دائماً . أصفعها وتنشب

أظافرها في وجهي ويتفجر في كيانها بركان من العنف

فتكسر كل ما تناله يدها من أوانٍ وتمزق الكتب

والأوراق . كان هذا أخطر سلاح عندها . كل معركة تنتهي

بتمزيق كتاب مهم أو حرق بحث أضعت فيه أسابيع كاملة

. وأحياناً يستبد بي الغضب حتى أبلغ حافة الجنون

والقتل ، فأشدد قبضتي على عنقها فتسكن فجأة وتنظر

إلي تلك النظرة المبهمة ، الخليط من الدهشة والخوف

والرغبة . لو أنني ضغطت قيد أنملة أكثر مما ضغطت

لوضعت حداً للحرب . وكانت الحرب تنتهل معنا إلى

الخارج . ونحن في حانة ضرخت فجأة : ابن العاهرة

تغازلني . وثبت على الرجل وأخذت بخناقه وأخذ بخناقي

واجتمع علينا الناس ، وفجأة سمعتها تقهقه بالضحك

وراء ظهري وقال لي أحد الرجال الذين جاءوا يفصلون

بيننا : يؤسفني أن أقول لك هذه المرأة إذا كانت

زوجتك فإنك متزوج من مومس . هذا الرجل لم يكلمها

بكلمة . يبدو أن هذه المرأة تحب منظر العنف . وتحول

غضبي إليها ، فذهبت إليها وهي ما تزال تقهقه

فصفعتها فأنشبت أظافرها في وجهي . ولم أستطع

جرجرتها إلى البيت إلا بعد مجهود وألم عظيمين ..
( وكان يحلو لها أن تغازل كل من هب ودب حين نخرج

معاً . كانت تغازل غرسونات المطاعم وسواقي الباصات

وعابري السبيل وكان بعضهم يتشجع ويستجيب ويرد بعضهم

بعبارات بذيئة فأتشاجر مع الناس وأضربها وتضربني في

عرض الطريق . وما أكثر ما سألت نفسي ما الذي يربطني

بها . لماذا لا أتركها وأنجو بنفسي ؟ ولكنني كنت

أعلم أن لا حيلة لي وأن لا مفر من وقوع المأساة .

وكنت أعلم أنها تخونني . كان البيت كله يفوح بريح

الخيانة . وجدت مرة منديل رجل ، لم يكن منديلي .

سألتها فقالت : إنه منديلك . قلت لها : هذا المنديل

ليس منديلي ، قالت : هبه ليس منديلك . ماذا أنت

فاعل ؟ ومرة وجدت علبة سجائر ومرة وجدت قلم حبر ،

قلت لها : أنت تخونينني . قالت : افرض أنني أخونك .

صرخت فيها : أقسم أنني سأقتلك . ابتسمت ساخرة وقالت

ك أنت فقط تقول هذا . ما الذي يمنعك من قتلي ؟ ماذا

تنتظر ؟ لعلك تنتظر حتى تجد رجلاً فوقي .. وحتى حينئذ

لا أظنك تفعل شيئاً . ستجلس على السرير تبكي .
( ذات مساء داكن في شهر فبراير . درجة الحرارة عشر

درجات تحت الصفر . المساء مثل الصباح ، مثل الليل

داكن مكفهر ، لم تشرق الشمس طيلة اثنين وعشرين يوماً

. المدينة كلها حقل جليد ، الجليد في الشوارع في

الحدائق عند مداخل ..
البيوت . الماء تجمد في أنابيبه والنفس يخرج بخاراً

من الأفواه . الأشجار عالية تنوء أغصانها تحت وطأة

الثلج . وأنا دمي يغلي وفي رأسي حمى . في ليلة مثل

هذه تحدث الأعمال الجسيمة . هذه ليلة الحساب . مشيت

من المحطة إلى الدار أحمل المعطف على ساعدي ، جسمي

ساخن والعرق يتصبب من جبهتي . كان الجليد يقرقع تحت

حذائي وأنا أطلب البرد . أين البرد ؟ وجدتها عارية

مستلقية على السرير ، فخذاها بيضاوان مفتوحتان ،

ابتسامتها مفعمة وعلى وجهها شيء مثل الحزن ، في

حالة تأهب عظيم للأخذ والعطاء . حن قلبي إليها أول

ما رأيتها ، وأحسست بالدفء الشيطاني تحت الحجاب

الحاجز ، حين أحسه أعلم أنني مسيطر على زمام الموقف

. أين كان هذا الدفء كل هذه الأعوام ؟ قلت لها بصوت

واثق كدت أنساه من طول ما فقدته : هل كان معك أحد ؟

أجابتني بصوت أثر فيه وقع صوتي : لم يكن معي أحد .

هذه الليلة لك أنت وحدك . أنا أنتظرك منذ وقت طويل

.
( أحسست أنها تصدقني لأول مرة . هذه الليلة ليلة

الصدق والمأساة . أخرجت السكين من غمده . جلست على

حافة السرير وقتاً أنظر إليها . كنت أرى وقع نظراتها

حياً ملموساً على وجهها . نظرت في عينيها فنظرت في

عيني وتماسكت نظراتنا واشتبكت ، فكأننا فلكان في

السماء اشتبكنا في ساعة نحس . وطفت نظراتي عليها

فحولت وجهها ..
عني ، ولكن الأثر ظهر في وسطها فزحزحته يمنة ويسرة

ورفعته قليلاً عن السرير ثم استقرت به ورمت ذراعيها

في تراخ . وعادت تنظر إلي نظرت إلى صدرها ، فنظرت

هي أيضاً إلي حيث وقع بصري على صدرها كأنها أصبحت

مسلوبة الإرادة تتحرك حسب مشيئتي . نظرت إلى بطنها

فتابعتني وبدأ ألم خفيف على وجهها . . كنت أبطئ

فتبطئ وأعجل فتعجل . أطلت النظر إلى فخذيها

البيضاوين المفتوحين ، أدلكهما بعيني وينزلق بصري

على السطح الناعم الأملس إلى أن يستقر هناك في

مستودع الأسرار ، حيث يولد الخير والشر . ورأيت

وجهها تعلوه حرة ، وجفنيها ينكسران كأنها أصبحت غير

قادرة على السيطرة عليهما . رفعت الخنجر ببطء

فتابعت حده بعينيها . واتسعت حدقتا العينين فجأة

وأضاء وجهها بنود خاطف كأنه لمع برق . لبثت تنظر

إلى الخنجر بخليط من الدهشة والخوف والشبق . ثم

أمسكت الخنجر وقبلته بلهفة . وفجأة أغمضت عينيها

وتمطت في السرير رافعة وسطها قليلاً فاتحة فخذيها

أكثر . وتأوهت وقالت : أرجوك يا حلوي هيا . أنا

مستعدة الآن . لم أستجب لندائها فتأوهت آهة أكثر

ألماً . وانتظرت . بكت . خرج صوتها خافتاً لا يكاد

يسمع : أرجوك يا حبيبي .
( ها هي ذي سفني تبحر نحو شواطئ الهلاك . ملت عليها

وقبلتها . وضعت حد الخنجر بين نهديها ، وشبكت ..
هي رجليها حول ظهري . ضغطت ببطء . ببطء . فتحت

عينيها . أي نشوة في هذه العيون . وبدت لي أجمل من

كل شيء في الوجود . قالت بألم : يا حبيبي . ظننت

أنك لن تفعل هذا أبداً . كدت أيأس منك . وضغطت

الخنجر بصدري حتى غاب كله في صدرها بين النهدين .

وأحسست بدمها الحار يتفجر من صدرها . وأخذت أدعك

صدرها بصدري وهي تصرخ متوسلة : تعال معي . تعال . لا

تدعني أذهب وحدي .
( وقالت لي : أحبك فصدقتها وقلت لها : أحبك وكنت

صادقاً . ونحن شعلة من اللهب ، حواف الفراش السنة من

نيران الجحيم ورائحة الدخان أشمه بأنفي وهي تقول لي

أحبك يا حبيبي ، وأنا أقول لها أحبك يا حبيبتي .

والكون بماضيه وحاضره ومستقبله اجتمع في نقطة واحدة

ليس قبلها ولا بعدها شيء ) .
دخلت الماء عارياً تماماً كما ولدتني أمي . أحسست

برجفة أول ما لامست الماء البارد ، ثم تحولت الرجفة

إلى يقظة . النهر ليس ممتلئاً كأيام الفيضان ولا صغير

المجرى كأيام التحاريق لقد أطفأت الشموع وأغلقت باب

الغرفة وأغلقت باب الحوش دون أن أفعل شيئاً . حريق

آخر لا يقدم ولا يؤخر . تركته يتحدث وخرجت لم أدعه

يكمل القصة . فكرت أن أذهب وأقف على قبرها . فكرت

أن أرمي المفتاح حيث لا يجده أحد . ثم عدلت . أعمال

لا معنى لها ومع ذلك لا بد من القيام بعمل ما .

وقادتني قدماي إلى الشاطئ وقد لاحت تباشير الفجر في

الشرق . سأنفس عن غيظي بالسباحة . كانت الأشياء على

الشاطئين نصف واضحة ، تبين وتختفي ، بين النور

والظلام . كان يدوي بصوته القديم المألوف ، متحركاً

كأنه ساكن لا صوت غير دوي النهر وطقطقة مكنات الماء

غير بعيد . وأخذت أسبح نحو الشاطئ الشمالي . وظللت

أسبح وأسبح حتى استقرت حركات جسمي مع قوى الماء إلى

تناسق ..
مريح . لم أعد أفكر وأنا أتحرك إلى الأمام على سطح

الماء وقع ضربات ذراعي في الماء . وحركة ساقي ،

وصوت زفيري بالنفس ، ودوي النهر ، وصوت المكنة

تطقطق على الشاطئ لا أصوات غير ذلك . ومضيت أسبح

وأسبح وقد استقر عزمي على بلوغ الشاطئ الشمالي .

هذا هو الهدف . كان الشاطئ أمامي يعلو ويهبط ،

والأصوات تنقطع كلية ثم تضج . وقليلاً قليلاً لم أعد

أسمع سوى دوي النهر . ثم أصبحت كأنني في بهو واسع

تتجاوب أصداؤه . والشاطئ يعلو ويهبط ودوي النهر

يغور وطفو . كنت أرى أمامي نصف دائرة . ثم أصبحت

بين العمي والبصر . كنت لا أعي ولا أعي . هل أنا نائم

أم يقظان ؟ هل أنا حي أم ميت ؟ ومع ذلك كمنت ما

أزال متمسكاً بخيط رفيع واهن : الإحساس بأن الهدف

أمامي لا تحتي ، وأنني يجب أن أتحرك إلى الأمام لا إلى

الأسفل . لكن الخيط وهن حتى كاد ينقطع ، ووصلت إلى

نقطة أحسست فيها أن قوى النهر في القاع تشدني إليها

. سرى الخدر في ساقي وفي ذراعي ، اتسع البهو وتسارع

تجاوب الأصداء . الآن . وفجأة ، وبقوة لا أدري من أين

جاءتني ، رفعت قامتي في الماء . سمعت دوي النهر

وطقطقة مكنة الماء . تلفت يمنة ويسرة فإذا أنا في

منتصف الطريق بين الشمال والجنوب . لن أستطيع المضي

ولن أستطيع العودة . انقلبت على ظهري وظللت ساكناً

أحرك ذراعي وساقي بصعوبة بالقدر الذي يبقيني طافياً

..
على السطح . كنت أحس بقوى النهر الهدامة تشدني إلى

أسفل وبالتيار يدفعني إلى الشاطئ الجنوبي في زاوية

منحنية . لن أستطيع أن أحفظ توازني مدة طويلة . إن

عاجلاً أو آجلاً ستشدني قوى النهر إلى القاع . وفي حالة

بين الحياة والموت رأيت أسراباً من القطى متجهة شمالاً

. هل نحن في موسم الشتاء أو الصيف ؟ هل هي رحلة أم

هجرة ؟ وأحسست أنني استسلم لقوى النهر الهدامة .

أحسست بساقي تجران بقية جسمي إلى أسفل . في لحظة لا

أدري هل طالت أم قصرت تحول دوي النهر إلى ضوضاء

مجلجلة ، وفي اللحظة عينها لمع ضوء حاد كأنه لمع

برق . ثم ساد السكون والظلام فترة لا أعلم طولها ،

بعدها لمحت السماء تبعد وتقرب والشاطئ يعلون ويهبط

. وأحسست فجأة برغبة جارفة إلى سيجارة . لم تكن

مجرد رغبة . كانت جوعاً . كانت ظمأ . وقد كانت تلك

لحظة اليقظة من الكابوس استقرت السماء واستقر

الشاطئ وسمعت طقطقة مكنة الماء ، وأحسست ببرودة

الماء في جسمي . كان ذهني قد صفا حينئذ ، وتحددت

علاقتي بالنهر إنني طاف فوق الماء ولكنني لست جزءاً

منه فكرت أنني إذا مت في تلك اللحظة فإنني أكون قد

مت كما ولدت ، دون إرادتي . طول حياتي لم أختر ولم

أقرر . إنني أقرر الآن إنني أختار الحياة . سأحيا لأن

ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن

ولأن علي واجبات يجب أن أؤديها ..
لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى .

وغذا كنت لا استطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى . سأحيا

بالقوة والمكر . وحركت قدمي وذراعي بصعوبة وعنف حتى

صارت قامتي كلها فوق الماء . وبكل ما بقيت لي من

طاقة صرخت ، وكأنني ممثل هزلي يصيح في مسرح : (

النجدة . النجدة ) .
انتهت ..








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://wadbashir.2morpg.com
 
موسم الهجرة الي الشمال 5
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ودبشير ارض الشمال :: القسم الثاني اجتماعي :: المكتبة العامة-
انتقل الى: