مؤمن آل فرعون صدع بالحق أمام سلطان جائر


قال كلمة التقوى فوقاه الله سيئات المكر

يعرض ربنا جانباً من قصة موسى عليه السلام مع فرعون وهامان وقارون، وموقف الطغيان من دعوة الحق، فيظهر
رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، قال الألوسي إن اسمه سمعان ابن إسحاق، وقال الثعلبي اسمه حزقيل ابن صبورا،
وأجمعت معظم التفاسير على أنه ابن عم فرعون.

يدفع عن موسى ما هموا بقتله، ويصدع بكلمة الحق والإيمان في تلطف وحذر، ثم في صراحة ووضوح، ويعرض في
جدله مع فرعون حجج الحق وبراهينه قوية ناصعة، ويحذرهم يوم القيامة، ويمثل لهم بعض مشاهده في أسلوب مؤثر،
ويذكرهم موقفهم وموقف الأجيال قبلهم من يوسف عليه السلام ورسالته. وتشير الآيات البينات الى قصة هذا الرجل
في سورة غافر بدءا من الآية (28) : (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ
وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ
مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ
إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ* مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ
وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ).

وتستمر الآيات البينات في عرض قصة هذا الرجل المؤمن وتحذيره لقومه من عاقبة الكفر حتى الآية (45) من سورة غافر،
حيث يقول تعالى: * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ
اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ
اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا
عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ
الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ
وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ
وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا
فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب).

شخصية فذة

يقول المفسرون، لما شاع توعد فرعون بقتل موسى، جاء هذا الرجل إلى فرعون ناصحاً، يظهر شخصية فذة، راسخة
الإيمان، صاحبة عقيدة قوية، فتصدع بالحق في وجه الظالم المتكبر وأعوانه، لم تفسد فطرته قربه من الحاكم
وصلته به، شهد الله له بالإيمان، يكتم إيمانه، يقف في وجه فرعون الطاغية وقومه، وينطلق بصوته وسط هذا الجو
الرهيب مدافعاً عن نبي الله موسى. رجل وقع الحق في قلبه، ينفذ إلى قلوبهم بالنصيحة ويثيرها بالتخويف والإقناع،
جولة ضخمة جالها المؤمن مع المتآمرين من فرعون وملئه، وإنه منطق الفطرة المؤمنة في حذر ومهارة وقوة.

قال صاحب التحرير والتنوير، هذا نوع من أنواع علم البيان يسميه العلماء استدراج المخاطب، وذلك أنه لما رأى
فرعون قد عزم على قتل موسى، والقوم على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يخفي عليهم بها أنه متعصب له،
وأنه من أتباعه، فجاءهم من طريق النصح والملاطفة، إنه يبدأ بتفظيع ما هم مقدمون عليه، ثم يخطو بهم خطوة
أخرى، يفرض لهم أسوأ الفروض، ويقف موقف المنصف، وإن يك كاذبا فعليه كذبه، والاحتمال الآخر، أن يكون
صادقاً، فيحسن الاحتياط وعدم التعرض لنتائجه، يصبهم بعض الذي يعدهم.

من طرف خفي

ثم يهددهم من طرف خفي، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، واحذروا أن تكونوا أنتم الذين تكذبون على موسى
وربه وتسرفون، فيصيبكم هذا المآل، ثم يهجم عليهم مخوفاً بعقاب الله، محذراً من بأسه الذي لا ينجيهم منه
ما هم فيه من ملك وسلطان، مذكراً إياهم بالنعمة التي تستحق الشكر لا الكفر، يشعر بما يشعر به القلب المؤمن،
من أن بأس الله أقرب ما يكون لأصحاب الملك والسلطان في الأرض، يحاول أن يشعرهم أن بأس الله إن جاء
فلا ناصر منه ولا مجير عليه.

يذكرهم بيوم من أيام الله

أخذت فرعون العزة بالإثم، ورأى في النصح نقصاً من نفوذه، ومشاركة له في السلطان، لا يقول لهم إلا ما يراه
صوابا، ولكن الرجل المؤمن يجد أن عليه واجباً أن يحذر وينصح، يذكرهم بيوم من أيام الله، يوم القيامة، ويشتد
في مواجهتهم بمقت الله ومقت المؤمنين لمن يجادل في آيات الله بغير حجة ولا برهان. وينتهي الجدل والحوار،
وقد سجل مؤمن آل فرعون كلمته الحق خالدة، فوقاه الله سيئات ما مكروا، وحاق بآل فرعون سوء العذاب.